ابن أبي الحديد

58

شرح نهج البلاغة

أحببت أن يصحبك حتى تأتى مصر ومعك جند ، فإن ذلك أرعب لعدوك ، وأعز لوليك . فإذا أنت قدمتها إن شاء الله ، فأحسن إلى المحسن ، واشتد ( 1 ) على المريب ، وارفق بالعامة والخاصة فالرفق يمن . فقال قيس : رحمك الله يا أمير المؤمنين قد فهمت ما ذكرت ، فأما الجند فإني أدعه لك ، فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك ، وإن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة ، ولكني أسير إلى مصر بنفسي وأهل بيتي ، وأما ما أوصيتني به من الرفق والاحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك . قال : فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر ، فصعد المنبر ، وأمر بكتاب معه يقرأ على الناس ، فيه : من عبد الله على أمير المؤمنين إلى من بلغة كتابي هذا من المسلمين . سلام عليكم ، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإن الله بحسن صنعه وقدره وتدبيره ، اختار الاسلام دينا لنفسه وملائكته ورسله ، وبعث به أنبياءه إلى عباده ، فكان مما أكرم الله عز وجل به هذه الأمة وخصهم به من الفضل ، أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم ، فعلمهم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض وأدبهم لكيما يهتدوا ، وجمعهم لكيلا يتفرقوا ، وزكاهم لكيما يتطهروا ، فلما قضى من ذلك ما علية ، قبضه الله إليه ، فعليه صلوات الله وسلامه ورحمته ورضوانه . ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين فعملا بالكتاب والسنة ، وأحييا السيرة ، ولم يعدوا السنة . ثم توفيا رحمهما الله ، فولى بعدهما وال أحدث أحداثا ، فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا ، ثم نقموا فغيروا ثم جاؤوني فبايعوني ، وأنا أستهدي الله الهدى ، وأستعينه على التقوى . ألا وإن لكم علينا العمل بكتاب الله وسنة رسوله والقيام بحقه ، والنصح لكم بالغيب ، والله المستعان على ما تصفون ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

--> ( 1 ) ب : ( واشدد ) .